الأحد، 17 أكتوبر، 2010

Home Alone 2- فى بيتنا حرامى

بالامس عادت الشغالة الى العمل بعد انتهاء مراسم خطبة ابنتها و يا له من يوم عيد
فسوف استرح قليلا من بعض الأعباء المنزلية خاصة و اننى لم انم جيدا فقد تركنا عيادة رئيس قسم امراض الغدد الصماء و السكر فى الثانية و النصف صباحا. اخيرا ساتفرغ لرعاية امى و ابنى المنقط ( بفعل الجديرى) و اعداد الطعام فقط. و جلسنا نحتسى الشاى سويا فى المطبخ كعادتنا الصباحية خاصة و انها أتتنى بجاتوة معتبر و قرص بالسمن البلدى و السمسم و الجبن من الفرح "عشان انبسط "، و اخبرتنى أنها اُنهكت لمدة اسبوع فى الإعداد للخطوبة و ذبح الحمام و البط و فستان الخطوبة و إعداد وليمة العشاء ليوم الخطوبة و التى اربأ بكم عن ذكر تفاصيلها لأن أوقاتكم ثمينة بس يمكن آن أخبركم انها اشترت 30 كيلو لحم سعر الكيلو 55 جنيه من البلد و 25 جوز حمام قامت بشرائهم من افضل البيوت التى تربى الحمام استعدادا للمذبحة عفوا لحف الخطبة و قامت بحشو محاشى مختلفة و ارز معمر و يكفى ان اذكر فقط انها و شقيقاتها و بناتها قاموا بحشو 15 كيلو ممبار و أنها لم تسرف زى غير المتعلمين بالبلد خوفا من الحسد الذى لم يتركها تهنأ بشئ و لأن الخطوبة " مش قد كده" و هى " مش مأملة فيها " ( لا تدع عقلك يذهب مثلى إلى أى نوع من حشرات الرأس).
يا للعجب اين هذا الممبار الاسطورى من موسوعة جينيس . لاحظت انها منهكة جدا رغم الاجازة الطويلة التى قامت بها و عرضت عليها ان تعود الى المنزل. و كانت فكرة غير صائبة لأنها تسكن بمحافظة ميت غمر و أفضل لها ان تسترح قليلا
قبل التفكير فى العودة الى المنزل .فرغت من الشاى فى العاشرة صباحا و قررت ان اخلد الى النوم قليلا و بالفعل نمت بجوار الكتكوت الصغير و بعد اقل من ساعة سمعت اصوات غريبة لم اتبينها و فوجئت بانها تعانى من قئ مستمر و الام فى المعدة و تعب شديد. حاولت ان اصنع لها اى مشروب رفضت و بدأت فى الاتصال بمن تعرفهم فى القاهرة حتى يقلوها الى البلد ووجدتهم جميعا منهمكين فى عملهم.
الحالة تزداد سوء و القئ يستمر و امى مصابة بحالة هلع مما يحدث ارتديت ملابسى و هرولت الى الامن بالعمارة حتى يأتون لى بطبيب خاصة و ان بالقرب منا مستشفى خيرى كبير و للاسف لم يجدوا اية زيارات منزلية ، و كل الاطباء فى العمارة فى العمل مثل زوجى. و جارتى الطبيبة فى العين السخنة حينما اتصلت بها . و بعد فترة طويلة من البحث و من رفضها و محاولات منعها لى من تكبير الموضوع فهى مرهقة و ستصبح فى حال جيدة اقنعتها بأن تنزل معى فنذهب للمستشفى و ذهبت الى المستشفى الخيرى الكبير و هى معى يساعدنى فى اسنادها احد عمال الكير سرفيس و هى لا تقوى على السير و للمفاجأة لم نجد اى دكتور هناك على الرغم من ان المستشفى بها ولادة و اقسام جراحة و عيادات خارجية و الموظف حينما سألته كيف فى الواحدة ظهرا لا نجد طبيب قال لى انتى ها تتخانقى و لا ها تعالجيها روحى الدمرداش او جمال الدين الافغانى .
و لمعرفتى الوثيقة بالدمرداش استبعدت الفكرة حفاظا على روح المسكينة. و حاولنا ان نسندها مرة اخرى و امام باب المستشفى وجدت دكتورة علاج طبيعى "صديقة لى" تعمل بها و كلما كنت اذهب كانت تحكى لى عن مشاكلها الخاصة بالساعات و تهللت حمدا للسماء فهى بالتأكيد ستنقذنى فى تعمل بستشفيات كثيرة و معها سيارة و طيبة و مؤمنة
و اقسم بالله انها لم تحرك ساكنا و تنزل عليها كتل من البرود و لم تراعى هيئتى المتعبة و التى تنم عن خروجى بفزع و باهمال شديد فى الملبس و المراة امامها تصرخ و تتقيأ و تكاد تقع
- مش عارفة …….انتوا كده ها تتبهدلوا روحوا جمال الدين الافغانى .
و تركتنا لا سلام و لا كلام و لم تستدع لنا اى ممرضة بالقسم الذى تعمل به و نحن نقف امام بابه حتى لقياس الضغط او للاتيان بكرسى للمريضة.
تغاضيت عن الأمر حتى قال لى عامل االكير سرفيس "بيشوى" هى نفضت لنا كده ليه. و بالفعل استقلينا تاكسى و المسافة نظريا عشرة دقائق بيننا و بين المستشفى لكننا توقفنا لاكثر من ساعة فى الزحام فهنا الكل سواء فمصر لم تعد بلدا صالحا للحياة الادمية للفقير و الغنى لأول مرة فى التاريخ فبجوارى اوتوبيس نقل عام و سيارة بى ان دبليو لا تقدران على المضى قدما فى الشارع و نهرنا سائق التاكسى:
- ما تنزلوا تمشوا انتوا مش شايفين
و لا اعرف من هو الذى لا يشوف و مصاب بشتى انواع العمى الاخلاقى و بعد ساعة و دون مبالغة وصلنا المستشفى و الحق يقال انها نظيفة جدا و حجزنا كشف استقبال ةو بعد ربع ساعة ظهر الطبيب و اشهد انه اهتم بحالتها و تعامل عنا بانسانية و كأنه يشعر بما نحن فيه و بعد الكشف الدقيق كتب لها ثلاثة حقن تؤخد فورا و طلب اشعة سونار و قال انه سينتظرنا بعد ان ننتهى ليخبرنا ماذا نفعل بعد ذلك و اقترحت عليه انه لو يرغب فى نقلها الى اى مستشفى اخر فلا مانع لدى فقط يدبر لنا سيارة اسعاف مجهزة و بالفعل اخذت الحقن و السونار مطمئن لكنها لا زالت لا تقوى على السير فاشار علينا بأن تعلق لها محاليل و أدوية خاصة حتى تتغلب على الهبوط و الالام المبرحة التى تعانى منها
و بالفعل تم ما حدث و اشهد انها تألمت كثيرا فى هذا اليوم و لم اتركها إلا خارج المستشفى و معها زوجها الذى جاء الى القاهرة ليصطحبها مع زوج عمتها فى السابعة مساء.
الحق يقال المستشفى على درجة من النظافة تفوق الدمرداش و الطبيب تعامل معنا بمنتهى الانسانية و الاحترام و الآدمية و الاهتمام على الرغم من مظهرنا البائس الذى احكم وجود عامل الكير سرفيس إتقان إخراج المشهد . كما ان الطبيب ترك لنا على الروشته اسمه و رقم الموبايل من تلقاء نفسه حتى اذا تعرضت لأى أعراض مختلفة نتمكن من ابلاغه. و اسم الطبيب سعد عبد الفتاح بارك الله له فى حياته و عمله.
اطمأنيت عليها أنها اصبحت قادرة على المشى و عدت الى المنزل و انا افكر بشئ واحد فقط لو أن حالتها الصحية كانت اشتدت سوء عما كانت عليه و نحن معطلين داخل التاكسى لمدة ساعة ماذا كان سيحل بنا.
- ماذا كان سيحدث لى و لها لو كنت بمفردى بالمنزل و لو لم يهرع عامل العمارة لمساعدتى و ترك ورديته و مصاحبتى طوال اليوم و هرولته لشراء الادوية و حجز الاشعات و التحاليل و شراء المشروبات و الطعام. و اشهد ان جارتى التى تمضى اجازتها بالعين السخنة ظلت تتصل بى كل ساعة لأقرأ لها نتيجة التحاليل و السونار و لتطمئن على المريضة دون سابق معرفة. "مصر ليه بخير" لكن هل يكفى هذا الخير كى نستمر فى الحياة بصورة ادمية.
ما كل هذا القدر من الالم و البؤس و الحاجة و المرض الذى احاط بى و انا اشاهد المرضى و اهلهم و العاملين بالمكان و يا ترى ما هى الطبيعة النفسية التى تتحول اليها نفسية من يتمكن من الصمود و العمل فى مثل هذه المستشفيات و ما هى سماتها و ابعادها …مجرد ساعات قليلة اخرى لى فى هذا المكان و ساوشك على الانهيار ….و ما هى طبيعة الامهات و الاباء لاذين يدفعون ابنائهم لدراسة الطب
خاصة و اذا كان هؤلاء الابناء على قدر من الاحساس‼‼

و ماذا لو آن انسان رقيق الحال قد تعرض لمثل هذا الموقف من المؤكد انه كان سيلقى المعاملة الطيبة من مثل هذا الطبيب الانسان لكن كيف كان له آن يسدد فى خمس ساعات ما يلى :
- 20 تذكرة كشف استقبال مستشفى خيرى
- 47 جنيه امبولات الحقن من الصيدلية
- 6 جنيه سعر اعطاء الحقن و السرنجات
- 50 سونار
-80 تحاليل
-70 حجرة متابعة "شرك" لمدة ساعة لتعليق المحاليل
( و لا داعى لأن اذكر لكم كم تألمت بها لوجود طفل عمره عامين خارج لتوه من افاقة العمليات مع امه )
- 125 محاليل مع حقن أخرى أضيفت اليها
- 85 قيمة الأدوية من صيدلية المستشفى المكتوبة بالروشتة للاستعمال بعد الخروج.
- مبلغ لوجه الله كبقشيش لكل من يظهر لك ليسأل عن حالها او يقوم لها بشئ من الخدمة او اثناء الخروج ليقول لها حمد الله على سلامتك و المواصلات و المشروبات و النثريات…..الخ.
حاشى لله ان أكون مستكثرة لأى مبلغ فمجرد اطمئنانى أنها بخير و يمكنها العودة الى المنزل بأمان مع اسرتها يعادل ثروات الأرض كما آن هذه الأرقام زهيدة جدا مقارنة بما نكتبده فى أماكن أخرى للعلاج.
كم كنت اتمنى ان اعرف اسم أى منوم يوقف عقلى على تصور مدى بشاعة ما ألت إليه الخدمة الصحية بمصر و كيف آن وزير الصحة يقوم باعادة ثلاثمائة و خمسين الف دولار للدولة انفقت على علاج زوجته و يكتب ذلك فى كل الصحف دون ادني مسائلة او محاكمة او لفت نظر …..تخيلوا معى كم من المحاليل و الحقن و الإسعافات الأولية يمكن آن يشتريها هذا المبلغ … ايتها الحكومة فى بيتنا حرامى ‼‼ كيف ينام المسئولون فى بلادنا و كيف يهنئون بالطعام و كيلو الطماطم بعشرة جنيه و متر مدينتى بنص جنيه.
على آن اعد لهم اى طعام يصلح للغذاء و العشاء معا و حتى الآن لا زلت فى معركة لأتمكن من ان يغمض لى جفن بسلام.
ادعوك ربى ان تلهمنى الصبر
ادعوك ربى و استغيث بك
فما العجز الا غاية حيلتى
و ما العجز الا غاية حيلتى.

هناك 3 تعليقات:

  1. بدون نعليق ):
    والشىء الأيجابى فى البوست هو عودتك للكتابة :) حمدلله على سلامتك

    ردحذف
  2. انا اللى مجننى ان والدى توفى فى اقل من عشر دقائق
    و التشخيص ان هذه جلطة كان من الممكن ان تصيبه بشلل دائم و تلك رحمة الله ان توفاه و هو بخير
    فماذا لو سيارة اسعاف تذهب لانقاذ رب عائلة ؟؟؟؟

    ردحذف
  3. لا حول ولا قوة الا بالله
    الحمدلله ان الانقاذ اخيرا تم وان ربنا وقفلكم طبيب ابن حلال وطيب وبيتقى ربنا

    وربن يكرمك على وقفتك معاها

    ردحذف